في بريطانيا نميل لفصل المسرح السياسي عن المسرح الشعبي. داريو فو لم يعرف هذا الفصل. موهبته الحقيقية كانت في جمع السياسة والفكاهة معاً، فهو كاتب وممثل ومخرج ومصمم مشاهد في آن واحد. مع زوجته فرانكا راميه أخذ السخرية إلى الشارع وإلى شاشات التلفزيون والمسرح.
من المقاومة إلى التلفزيون
نشأته لم تكن بعيدة عن السياسة. والده كان مدير محطة وشارك جزئياً في التمثيل، وفو نفسه شارك في المقاومة شمال إيطاليا أثناء الحرب وساعد في تهريب جنود الحلفاء إلى سويسرا. لكنه اشتهر فعلاً في بدايات الستينات عندما قدما معاً برنامجاً تلفزيونياً شعبياً حقق جمهوراً كبيراً. انتهى ذلك الانخراط التلفزيوني فجأة عندما رفضا قبول اقتطاعات الرقابة.
مسرح يزعج الكنيسة والدولة
أسسا شركة مسرحية خاصة اسمها Nuova Scena، وفي 1969 قدم فو عرضه الفردي الشهير Mistero Buffo. العرض اعتمد على نصوص وسيلتاريخية وسخر من الطقوس والتراتبية والغموض الديني. في مشهد منه ظهر المسيح يركل البابا بونيفاس الثامن احتجاجاً على الفساد، وعندما ظهر العرض على شاشة التلفزيون وصفه الفاتيكان بأنه من أشد العروض تجديفاً على الإطلاق.
نصوص تضرب مباشرة
مسرحيات فو أعادت الحياة إلى المسرح السياسي. أشهرها Accidental Death of an Anarchist التي استلهمت من قضية عامل سكك حديد ميلاني اتهم زوراً بزرع قنابل وسقط من نافذة في مبنى الشرطة. الإنتاج الأول في لندن بقي في الذاكرة، وذكر العرض في تجديدات لاحقة أنه لم يتقادم؛ ففي عرض حديث أعاد الجمهور التذكير بأن أكثر من ثلاثة آلاف شخص توفوا أثناء احتجازهم من قبل الشرطة في المملكة المتحدة منذ العرض الأول عام 1970.
أدوار للنجوم
فو كان يكتب أدواراً مليئة بالحيوية وفرص التمثيل الكبيرة. في مسرحية Trumpets and Raspberries، قدّم ممثلون دور عامل يتحول إلى نسخة شبيهة بصاحب شركة في شكل ساخر، مما منح ممثلاً مثل Griff Rhys Jones فرصة للعرض الأصيل والضاحك في الوقت نفسه.
مواجهة وملاحقات
حتى وأنا أجريت مقابلة معه في لندن عام 1983، لم يكن سرّ نجاحه فقط شعبيته بل أيضاً كم الضغوط والملاحقات التي تعرّض لها هو وزوجته. استدرجا غضب الكنيسة والحزب الشيوعي وتعرضا لتهديدات جسدية، وواجه فو ما يصل إلى 45 ملاحقة قضائية من الشرطة الإيطالية خلال مسيرته.
الضحك كوسيلة لمواجهة المأساة
وفاته حدثت في 2016، لكن أفكاره بقيت واضحة: الضحك عنده لم يكن غاية بحد ذاته. قال إنه في جوهر كل ما يكتبه توجد مأساة. المسرحية الساخرة قد تعالج قضايا حقيقية مثل رجل يُلقى من نافذة أو إنسان جائع. الضحك هو وسيلة لجعل الجمهور يواجه المشكلة بدلاً من تجاهلها.
في النهاية، يمكننا القول إن داريو فو كان مسرحيّاً كبيراً ومسلّياً ولكن مع مهمة واضحة: جعلك تضحك ثم تجبرك على التفكير في الظلم والقسوة والفساد.