المواجهة بين شركة أنثروبيك ووزارة الدفاع الأمريكية أعادت طرح سؤال بسيط لكنه مهم: من يقرر كيف تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في الحروب؟ الإجابة اليوم تبدو مختلفة عما كانت عليه قبل بضع سنوات فقط، لأن جزءاً كبيراً من وادي السيليكون اقترب من الحكومة وقبل عقود دفاعية كبيرة.

لماذا تغيّر الموقف؟

هناك عوامل متعددة أدت إلى هذا التحول. تحالف بعض الشركات مع إدارة ترامب وحركات التقرّب السياسية جعل العلاقة أقرب بين شركات التقنية والحكومة. كما أن وعود بتوظيف الذكاء الاصطناعي داخل الوكالات الحكومية قدّم فرصة دخل طويلة الأمد للشركات. وفي الخلفية، القلق من تقدّم الصين والزيادة في الإنفاق الدفاعي الدولي ساهم أيضاً في تغيير المزاج داخل القطاع.

من احتجاجات ضد الجيش إلى عقود مع الجيش

قبل سنوات، كان العمل على مشاريع عسكرية يعد خطاً أحمراً لكثير من مهندسي التقنية. حدث ذلك بوضوح عام 2018 عندما اضطر موظفون في شركة كبيرة للاحتجاج على مشروع كان يحلل لقطات طائرات من دون طيار للقوات المسلحة. آنذاك قالت آلاف الرسائل إن الشركة لا ينبغي أن تكون في «مجال الحرب» فتم إلغاء تجديد المشروع ووُضعت سياسات تمنع تطوير تقنيات قد تسبب إصابات مباشرة.

مع ذلك، تغيرت السياسات والممارسات لاحقاً. بعض الشركات قلّصت مجال نشاط النشاط العمالي الداخلي، وحذفت نصوصاً سابقة من سياسات المسؤولية، ووقعت عقوداً دفاعية. حالات فصل موظفين حدثت احتجاجاً على علاقات شركات بتدخلات خارجية. وفي الوقت نفسه، أُعلن عن منتجات مخصصة للحكومات لاستخدامها في مشاريع غير مصنفة، ما يوسّع تواجد الذكاء الاصطناعي داخل القطاع العام.

شركات أحدثت نفسها في هذا المجال مثل شركات الدفاع المتخصصة وشركات المراقبة جعلت التعاون مع وزارة الدفاع جزءاً أساسياً من نموذج أعمالها، وحاولت أيضاً التأثير على ثقافة وادي السيليكون لصالح رؤيتها.

قلب الصفحة: أنثروبيك في مواجهة البنتاغون

أنثروبيك رفعت دعوى قضائية قبل أيام ضد وزارة الدفاع الأمريكية، مؤكدة أن قرار الحكومة بمنعها من العمل مع الجهات الحكومية ينتهك حقوقها الدستورية المتعلقة بحرية التعبير. الخلاف لم يظهر بين ليلة وضحاها، بل جاء بعد شهور من المواجهة حول حدود استخدام نموذج الشركة.

الشركة تحاول وضع حدود واضحة: منعت استخدام تقنيتها في المراقبة الداخلية واسعة النطاق والأنظمة القاتلة المستقلة بالكامل. تقول أنثروبيك إن قبول عبارة "أي استخدام مشروع" التي تطالب بها الوزارة يخرق مبادئ السلامة التي تأسست عليها الشركة ويفتح الباب لسوء استخدام التكنولوجيا.

في مقابل ذلك، ردت الوزارة بخطوات اعتبرتها الشركة عقابية، ما دفع الخلاف إلى ساحات القضاء والاعلام.

ماذا يقول قادة أنثروبيك؟

ديمتاريو أموديي، أحد مؤسسي أنثروبيك، أشار في منشورات علنية إلى أن الشركة والحكومة يتشاركان كثيراً من الأهداف، لكنه في الوقت نفسه حذّر من مخاطر الذكاء الاصطناعي مثل إمكانية تطوير أسلحة بيولوجية خطيرة أو سوء استخدام التكنولوجيا من قبل دول معادية. موقفه مركب: يريد تسليح الحكومات الديمقراطية بتقنيات متقدمة لمواجهة خصوم استبداديين، لكنه لا يريد استنساخ سلوكهم.

أموديي والتقارير المصاحبة أوضحا أيضاً أن أنثروبيك عدلت بعض منتجاتها لتلبي احتياجات وزارة الدفاع. بموجب ما ورد في الدعوى، النسخ الموجّهة للحكومة من نموذج الشركة تخضع لقيود أقل مقارنة بالنسخ المدنية، ما يسمح، حسب الشركة، باستخدامات مثل التعامل مع وثائق مصنفة أو دعم العمليات العسكرية.

ما الذي يحدث على أرض الواقع؟

  • استخدامات عسكرية: ذكرت تقارير أن جهات حكومية استخدمت أدوات الشركة في تحليل الأهداف ضمن حملات عسكرية. أنثروبيك لم تبدِ اعتراضاً واضحاً على العديد من هذه الاستخدامات.
  • الاستثناءات المهمة: الشركة تصر على أنها تمنع فقط نوعين من الاستخدامات الصارمة، هما المراقبة الداخلية الشاملة والأسلحة القاتلة المستقلة بالكامل. المدير التنفيذي قال إن 98 إلى 99 بالمئة من طلبات الوزارة مقبولة باستثناء هذين النوعين.
  • نقاش أوسع: باحثون وأخلاقيون في المجال يشيرون إلى أن هذا الخلاف يوضح غموضاً أكبر في تحديد من هو جيد ومن هو سيئ عندما نتحدث عن التعاون بين شركات التقنية والجيش.

ماذا يعني ذلك للصناعة والمجتمع؟

المعركة القانونية والأخلاقية بين أنثروبيك والبنتاغون تكشف أن خطوط الحماية في صناعة التقنية قد تحركت كثيراً. شركات كانت ترفض العمل مع الجيش أصبحت اليوم شريكاً له. السؤال الآن هو من أين تُرسم الحدود وما مقدار الشفافية التي سيقدمها المصنعون عندما يُستخدَم منتجهم بطريقة قد تؤثر على حياة البشر.

في النهاية، الخلاف ليس فقط عن شركة واحدة أو عقد واحد. إنه اختبار أوسع لقيم المؤسسات التقنية وكيفية موازنتها بين الربح، الأمن القومي، والمسؤولية الأخلاقية.