بلد يعيش على وقع الإنذار
يقول محللون إن عامين ونصف من شنّ هجمات قاسية على الجوار وعلى قطاع غزة المحاصر بدّلوا إسرائيل سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا إلى حد بعيد. والآن، مع انخراطها في ما يُقال للإسرائيليين مرارًا إنه "معركة وجود" ضد إيران، تبدو الأسئلة أكثر من الإجابات، وهو أمر غير مريح على الإطلاق، حتى لو اعتادت الحكومات بيع القلق على أنه استراتيجية.
النتيجة النهائية للحرب، على الأرجح، لن تُحسم في إسرائيل وحدها، بل في واشنطن. وهذا وحده كافٍ لشرح حجم الارتباك: دولة تخوض حربًا وتنتظر في الوقت نفسه إشارة من عاصمة أخرى لتعرف كيف تنتهي القصة.
حتى قبل الحرب على إيران، كانت حرب إسرائيل على غزة قد أنهكت صورتها وتمويلها. ووفق أرقام بنك إسرائيل نفسه، فإن الحروب على غزة والحوثيين ولبنان وإيران منذ أكتوبر 2023 كلّفت الدولة 352 مليار شيكل، أي نحو 112 مليار دولار، بمعدل يقارب 300 مليون شيكل، أو 96 مليون دولار، يوميًا.
وفي المحكمة الدولية، تواجه إسرائيل اتهامات وُصفت بأنها ذات مصداقية بارتكاب إبادة جماعية، بينما صدرت في نوفمبر 2024 مذكرتا توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء ووزير الدفاع السابق بتهم تتعلق بجرائم حرب. والآن تستعد البلاد لتحمل تبعات مالية قد تكون كارثية لحربها على إيران.
طريق طويل بلا مخرج واضح
أهداف الحرب المعلنة، أي إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وتهيئة الظروف لانتفاضة شعبية ضد الحكومة هناك، تبدو بعيدة عن التحقق. فبعد أربعة أسابيع من القصف المتواصل، لا تظهر مؤشرات قوية على اضطراب داخلي واسع في إيران أو على تحدٍ مباشر للسلطة.
وفي الوقت نفسه، نقلت رويترز في 27 مارس، استنادًا إلى خمسة مصادر داخل الاستخبارات الأميركية، أن ثلث مخزون إيران الصاروخي فقط كان قد دُمّر، رغم تصريحات مسؤولين أميركيين علنية تفيد بأن القدرات العسكرية الإيرانية قد جُردت إلى حد كبير من فاعليتها. كأن الحرب، كالعادة، ترفض الالتزام بالتصريحات.
أما داخل إسرائيل، فالأجواء ليست أفضل كثيرًا. الإنذارات الجوية تتكرر على نحو متقطع لكنه كافٍ لدفع الناس إلى الملاجئ مرارًا، مع ما يعنيه ذلك من تفكك لأي محاولة لاستعادة إيقاع الحياة الطبيعية.
وتقول المحللة السياسية وقيّمة استطلاعات الرأي داليا شايندلن، في حديثها لقناة الجزيرة من منطقة قرب تل أبيب، إن ثقلًا نفسيًا واضحًا خيّم على الناس. ووصفت المزاج العام بين اليهود الإسرائيليين بأنه أقرب إلى تصميم قاتم على مواصلة الحرب في الوقت الراهن، رغم الإرهاق الواضح.
بحسب معهد الديمقراطية الإسرائيلي، قال 78 في المئة من اليهود الإسرائيليين في أواخر مارس إنهم يؤيدون استمرار الحرب. لكن أغلبية منهم رأت أيضًا أن المخططين في الولايات المتحدة وإسرائيل قلّلوا من قدرات طهران.
وتقول شايندلن إنها لا تعرف إلى متى سيستمر هذا التأييد. فهذه الحرب، كما تشير، ليست قصيرة مثل حرب الأيام الـ12 بين إسرائيل وإيران في يونيو 2025، وليست شبيهة أيضًا بجولات إطلاق الصواريخ السابقة من جانب حماس. هذه المرة الصواريخ باليستية، أي أن الجميع مضطر إلى الهبوط للملاجئ في كل مرة تقريبًا.
وتضيف: "بصراحة، لا أعرف كيف سنخرج من هذا. لا أحد يعرف. نحن ما زلنا في منتصف كل شيء".
سياسة على الحافة
الخلفية السياسية لهذا المشهد تبدو مختلفة تمامًا عن إسرائيل التي صادقت على اتفاقيات أوسلو في التسعينيات، أو حتى عن إسرائيل الثمانينيات التي طردت مئير كاهانا، صاحب الأفكار المتطرفة التي يتبناها بشكل ضمني اليوم وزير الأمن القومي المتشدد إيتمار بن غفير وكثير من أعضاء حزب "القوة اليهودية".
اليوم، يحتل بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، وهو مستوطن ينتمي إلى حركة تعتقد أن لها حقًا توراتيًا في أرض الضفة الغربية، مواقع مركزية في الحكومة، مع دعم عابر للأحزاب ومع قدر من القبول الشعبي أيضًا.
ثم جاءت احتفالات تمرير قانون عقوبة الإعدام الذي طرحه بن غفير، والمصمم تحديدًا لاستهداف الفلسطينيين. وفي أسبوع واحد فقط، أقرّ المشرّعون أيضًا ميزانية قياسية بلغت 271 مليار دولار؟ لا، 271 مليار شيكل، وصُوّت عليها من داخل ملجأ محصّن، مع تحويل ملايين الشواكل إلى جماعات الحريديم والمستوطنين المتشددين. ويقول محللون ومعارضون إن الهدف كان واضحًا: تثبيت دعم حكومة نتنياهو في ظل استمرار الحرب.
وقبل التصويت يوم الاثنين، قال سموتريتش إن أي شخص يصوّت ضد الميزانية يصوّت ضد أمن إسرائيل، وضد تخفيف الضرائب عن العاملين، وضد فرض الضرائب على البنوك. طبعًا، من المفيد دائمًا تقديم الميزانية كاختبار وطني شامل، بدل كونها أيضًا أداة سياسية.
من جهتها قالت عايدة توما-سليمان، من حزب حداش اليساري: "بالطبع أصبحت الأمور أكثر تطرفًا. العالم كله شاهد ووجد الأعذار لهم بينما كانوا يرتكبون إبادة جماعية في غزة. بالطبع، هم يعتقدون أن ما يفعلونه الآن مقبول. العالم كله قال ذلك".
عواصف قادمة
لكن السؤال الأهم هو إلى متى ستظل هذه الصيغة المتشددة من السياسة اليمينية الإسرائيلية مقبولة لدى جمهور قد يجد نفسه قريبًا يدفع الثمن المالي الكامل لحروب إقليمية لا تبدو لها نهاية.
ورغم أن إسرائيل ظلت إلى حد كبير محمية من بعض التداعيات، فإن ذلك لا يعني أنها بمنأى عن الآثار الطويلة الأمد للحرب. فالصراع مع إيران فرض بالفعل تكاليف كبيرة عبر زيادة الإنفاق الدفاعي، وتراجع الإنتاجية بسبب استدعاء قوات الاحتياط، وانخفاض النشاط الاستهلاكي، بحسب تحليل نشرته صحيفة لوموند الفرنسية أواخر مارس.
وفي الوقت الحالي، خففت التخفيضات الضريبية إلى حد ما من أثر الزيادة المتوقعة في أسعار الوقود الناتجة عن إغلاق إيران لمضيق هرمز. لكن هذا، كما يحذر الاقتصادي السياسي شير هيفر، مجرد متنفس مؤقت، لأن إسرائيل تستورد الوقود أصلًا.
ويقول هيفر إن كل صراع سابق دخلته إسرائيل كان يستند إلى ميزانية متفق عليها مسبقًا، وأهداف واضحة، وخطوط مالية مرجعية يمكن القياس عليها. أما ما يجري الآن، برأيه، فيشبه اقتصاد دولة شمولية تُنفَّذ فيها النفقات العسكرية بشكل اعتباطي، من دون اعتبار حقيقي لمدى انسجامها مع الاقتصاد الأوسع.
وفي النهاية، قد لا يكون قرار إنهاء الحرب في يد إسرائيل أصلًا، بل في يد رئيس أميركي أكثر تقلبًا، بحسب ما يشير كثيرون في تل أبيب وخارجها. وعندما سُئل بنيامين نتنياهو هذا الأسبوع على قناة Newsmax عن مدى التقدم الذي أحرزته إسرائيل في تحقيق أهدافها، لم يجد أفضل من القول إنها وصلت إلى "النصف". وهي إجابة تبدو مناسبة جدًا لمرحلة تبدأ فيها الحروب كخطاب وجود، ثم تنتهي أحيانًا كفاتورة مؤجلة.