الرئيس الإيراني ماسعود بيزِشكيان وضع أمس شروطاً واضحة لإنهاء القتال مع الولايات المتحدة وإسرائيل: اعتراف بحقوق إيران، دفع تعويضات، وضمانات دولية تمنع عدواناً مستقبلياً. الكلام جاء بعد اتصالات معه ومع زعماء من روسيا وباكستان، ومع تصريح منه يؤكد التزام طهران بالسلام.
هذا تحول لافت في اللهجة الرسمية الإيرانية التي بدت منذ اندلاع الحرب قبل نحو أسبوعين أكثر تحدياً ورفضاً لأي تسوية سريعة. لكن الواقع الميداني والاقتصادي بدأ يضغط على كل الأطراف، فالساحة لم تعد حرباً عسكرية فقط بل أصبحت حرباً لا مادية عبر الطاقة والاقتصاد.
سلاح الطاقة: أين وصلت الخسائر؟
الهجوم طال مرافق نفطية إيرانية في بداية الصراع، ورد طهران كان حاسماً في مضيق هرمز الذي يمرّ منه جزء كبير من تجارة النفط العالمية. هجمات متكررة على سفن ومسارات الشحن عمقت الإغلاق الفعلي للمضيق، ما دفع أسعار النفط للارتفاع الحاد من حوالي 65 دولاراً إلى أكثر من 100 دولار للبرميل خلال أيام قليلة.
إيران صرّحت أنها لن تسمح بمرور "لتر واحد" من النفط عبر المضيق، وحذرت من إمكانية بلوغ الأسعار 200 دولار للبرميل إذا استمر التعطيل. خبراء اقتصاديون يشيرون إلى أن ارتفاع الأسعار غير مستدام على المدى الطويل لأن إيران نفسها تحتاج لعائدات النفط، لكن في الأجل القريب الضغط الاقتصادي واضح على الأسواق والمواطنين.
في محاولة لتهدئة السوق تم الاتفاق على تحرير احتياطي نفطي طارئ من مخزونات دولية، لكن تأثير ذلك ومدة الإفراج عنه لا تزال غير واضحة. كما شهدت المنطقة هجمات على مرافئ نفطية وسفن في مياه دول مجاورة، ما أدى إلى إغلاق بعض الموانئ وتعليق العمليات لفترات قصيرة.
رسائل مختلطة من داخل إيران
الرسائل الإيرانية ليست موحدة. الجهاز الحرس الثوري الإيراني يعكس موقفاً عسكرياً صارماً ويستمر في ضربات وانتقادات وتصعيدات، بينما تظهر القيادة السياسية، وعلى رأسها الرئيس، لهجة أكثر ميلًا نحو الحلول الدبلوماسية.
الرئيس اعتذر للدول المجاورة عن الأضرار الناتجة عن بعض الضربات ووعد بالحد من الاستهداف إذا التزمت تلك الدول بعدم السماح باستخدام أراضيها لشن هجمات على إيران. لكن يبقى السؤال: ما مدى قدرة القيادة السياسية على كبح الحرس الثوري؟
المجلس الأعلى للأمن القومي يلعب دوراً مركزياً في القرار العسكري والأمني، وهناك شخصيات سياسية وعسكرية لها ثقلها وتأثيرها في توجهات طهران المستقبلية. تعيينات قيادية حديثة أيضاً تزيد من الغموض حول من سيقود الخيارات الاستراتيجية في الأيام القادمة.
ماذا تقول واشنطن وتل أبيب؟
الرسائل الخارجية متباينة أيضاً. من جهةٍ، مسؤولون أميركيون تحدثوا عن انتهاء العملية العسكرية قريباً، ومن جهة أخرى تصريحات إسرائيلية أكدت استمرار العمليات "طالما تطلب الأمر" لتحقيق الأهداف المعلنة.
سياسياً، الضغوط داخل الولايات المتحدة لختام المواجهة تأتي من اعتبارات انتخابية واقتصادية؛ ارتفاع التكاليف وقلق الناخبين من أثر الحرب على الأسعار والمعيشة يضعان ضغوطاً على صانع القرار.
تكلفة المعارك حتى الآن
التقارير تتحدث عن إنفاق أميركي كبير على العمليات منذ بدايتها، بمبالغ تصل إلى مليارات الدولارات خلال أيام قليلة. تقديرات مستقلة آخرى تشير إلى قيم باهظة للذخيرة والأنظمة المستخدمة، وهو ما يضيف عامل تكلفة كبير مهما كانت النتائج الميدانية.
الآثار الاقتصادية تتجاوز حسابات الإنفاق العسكري: ارتفاع أسعار الوقود، مخاطر على سلاسل التوريد، وضغوط تضخمية المحتملة تعيد ملف الاقتصاد إلى واجهة السياسة الداخلية في دول عدة.
هل لدى العالم مخرج؟
بيزِشكيان قدم ما يبدو كمسار للخروج: الاعتراف الرسمي بالحقوق الإيرانية، دفع تعويضات، وضمانات دولية بعدم تكرار العدوان. منطقياً هذا يمثل بداية مفاوضات أو على الأقل وثيقة تفاهم. لكنه أيضاً نص يطرح أسئلة عملية: من يدفع كم، ومن يمنح الضمانات، وكيف يتم التحقق؟
في نهاية المطاف، قدرة طهران على إلحاق أذى اقتصادي بالعالم تمنحها تأثيراً على مسار إنهاء القتال. لكن أي حل مستدام سيتطلب اتفاقاً سياسياً معقداً وإرادة دولية لتهدئة التوترات وإعادة فتح طرق التجارة والحياة اليومية المتأثرة.
الخلاصة البسيطة: هناك مخرج محتمل، لكنه ليس صفقة فورية. الشروط موجودة على الطاولة، لكن تطبيقها يحتاج قوة تفاوضية، ضغوط اقتصادية، واستجابة دولية منظمة. حتى ذلك الحين، عالم يراقب والتنفس الاقتصادي متقلّب.