الضماد، ذلك الشريط الصغير الذي يبدو بسيطاً، صار نادراً في مستشفى الشفاء بغزة. نعم، يُقال إن كلمة "gauze" إنجليزية مشتقة من اسم غزة أو من كلمة عربية قديمة، لكن حتى لو كانت حكاية، فالمغزى واضح: أرض صغيرة أعطت العالم تقنية إسعافية أساسية، وهي اليوم محرومة منها.

لماذا الضماد مهم حتى لو كان بسيطاً؟

الضماد ليس رفاهية. شبكته الفضفاضة تمتص الدم والإفرازات وتمنع تراكمها حول الجرح. غياب الضماد يعني بقاء سوائل الجسم مكشوفة للجراثيم، والنتيجة عادة: عدوى تنتشر، التهاب يصل إلى العظم، وفي أحسن الأحوال بتر يمكن تجنبه.

الحصار والدمار وما تبقى من النظام الصحي

منذ الرد العسكري المكثف بعد 7 أكتوبر 2023، تعرّضت بنية غزة الصحية لضربات متكررة. تقرير من منظمة الصحة العالمية أشار إلى أن 14 من أصل 36 مستشفى فقط يعملون جزئياً. تقارير أخرى أوردت مقتل أكثر من 1,700 عامل صحي وإبقاء مئات منهم رهن الاحتجاز. نتيجة ذلك: مستشفيات تقلص عملها، والأطباء المتبقون يجنّبون الوقت والموارد بين حالات طوارئ مستمرة وأمراض مزمنة مهملة منذ سنوات.

ما الذي تغيّر بعد إعلان الهدنة؟

الإعلان عن هدنة بوساطة أمريكية أعطى أملاً مؤقتاً. لكن الواقع على الأرض يقول إن وقف إطلاق النار لم يضع حداً لمعاناة الناس أو لم يملأ رفوف المستشفيات. القتال المباشر تقلص نسبياً، لكنه لم يتوقف تماماً، وسجلت عمليات قتل وجرح لعشرات الأشخاص خلال فترة الهدنة.

المساعدات ممنوعة أم مُرقّبة؟

الأطباء الدوليون الذين دخلوا غزة بعد الهدنة وصفوا وضعاً مفارقاً: ممنوع دخول المعدات الطبية بكميات معقولة، بينما يُسمح للأطباء بالدخول شخصياً. بعض المتطوعين لجأوا إلى تهريب مستلزمات بسيطة في أمتعتهم، من ضمادات ومضادات حيوية وبطاريات صغيرة وحتى زراعة قوقعة وساعات طبية.

  • دخول الأدوية والمعدات يتحدد بتصريحات وعمليات تفتيش صارمة عند معابر مثل الكرمل شالوم أو عبر طرق بديلة مروراً ببلدان مجاورة.
  • تسجيل حالات مصادرة للمواد الطبية، وحالات أخرى دخلت من دون اعتراض، ما يجعل القواعد تبدو عشوائية.

بعض الأطباء رووا أنهم خبأوا مضادات حيوية في أماكن مضحكة لتفادي مصادرتها. لا أذكر أن أي أحد قال إن تهريب الأدوية نشاط رياضي ممتع، لكنه صارت ضرورة طبية.

المستشفيات تعمل بعنفنة أقل لكنها منهكة

مستشفى الشفاء، الذي تعرض لعمليتين كبيرتين في نوفمبر 2023 ومارس 2024، ما يزال في حالة لا تُشبه ما كان عليه. بعض الأقسام أعيد فتحها، مثل وحدة العناية المركزة للأطفال، لكن البنية التحتية بقيت متضررة، والغبار معلق في الجو من ملايين الأطنان من الأنقاض. بدون أجهزة تصوير مقطعي أو أدوات متقدمة بكثرة، يعتمد الأطباء على المهارة اليدوية، أجهزة صغيرة، وقرارات صعبة عن من يعالج ومن يُؤجل.

قصص طبية حقيقية توضح الصورة

أطباء متطوعون وثقوا تجاربهم: فتاة مراهقة نقلت إلى العناية بعد إصابة شظايا في البطن، احتاجت عملية لاستئصال الطحال وكمية دم محفوظة بعناية. تم إنقاذها بمعدات قليلة وكمية ضماد محدودة، ثم أُعيدت إلى خيمة عائلتها حيث لا ظروف لتعافي آمن.

قصة أخرى لطبيب شاهد زميله يُطلق عليه النار في ساحة المستشفى ثم يعود للعمل وكأنه يرى أشباح زملائه الذين ماتوا أو اختفوا. هذه التجارب لا تختفي بسرعة؛ الأطبّاء الفلسطينيون الشباب هم من يحمل عبء القرار، لأن كثيرين من كبار الأطباء إما غادروا أو قُتلوا أو سُجنوا.

ماذا يعني هذا لغير الطوارئ؟

حتى مع تهدئة النيران، يعود الناس بمشاكل صحية لم تُعالج أثناء القصف: أمراض مزمنة، حالات نفسية تحتاج متابعة، وإصابات صغيرة لم تُعالج فتطورت. لأن المنازل في كثير من الأحيان هي خيام أو خرائب، فإن المريض يخرج من المستشفى إلى بيئة غير معقمة، والنتيجة مزيد من العدوى ومضاعفات قد تُنتهي بالبتر أو الموت.

إحصائيات موجزة وضعيفة الراحة

  • أرقام الضحايا الرسمية في غزة تجاوزت السبعين ألفاً حسب وزارة الصحة، وبعض دراسات تشير إلى أنها قد تكون أعلى.
  • خلال فترة الهدنة سجلت قوات الاحتلال مقتل مئات إضافيين، وسجّل أيضاً مقتل العشرات من الصحفيين.
  • معابر الخروج الطبي عملت بشكل محدود، ولا يزال كثير من المرضى عاجزين عن مغادرة القطاع لتلقي علاج غير متوفر محلياً.

ردود وتصريحات رسمية

الجهات المسؤولة تقول إن القيود على دخول المعدات تخضع لتنسيق أمني وتفتيش لمنع إساءة الاستخدام. بعض الأطباء يرون في هذا سياسة منظمة تعيق وصول الرعاية. الاختلاف في الروايات قائم، لكن النتيجة العملية اليومية للمريض واضحة: أدوية وأدوات قليلة، وحالات تُترك لتزداد سوءاً.

خلاصة قصيرة، لا حاجة للمبالغات

الهدنة أسست لوقف جزئي في القتال المباشر، لكنها لم تنهي الحرب على الصحة في غزة. نقص الضمادات، المضادات الحيوية، والأجهزة الأساسية يجعل المعركة مستمرة داخل المستشفيات وعلى الطرقات المؤدية إليها. الأشخاص الذين يعيشون ويعملون هناك يستمرون في تقديم الرعاية بقدر الإمكان، لكنهم يواجهون قيوداً إدارية ولوجستية وسياسية تحول دون إعادة بنية صحية سليمة.

في نهاية المطاف، القصة ليست فقط عن مبانٍ مهدمة أو عن معدات طبية مصادرة، بل عن أنشئة بشرية تحاول التعافي في ظل إمكانيات محدودة جداً. الضماد هنا لا يعالج الجرح فقط، بل يرمز إلى مدى بساطة ما يحتاجه الناس ليبقوا أحياء ويتعافوا.