صباح واحد من مزارعي غزة يشبه صباح أي مزارع، إلا أن الفارق الوحيد الآن هو أن المسافة بينه وبين أرضه محفوفة بالرصاص والكتل الخرسانية الصفراء.
لماذا هذا «الخط الأصفر» مهم؟
بعد اتفاق وقف النار تم تحديد خط تخيلي يُسمى الخط الأصفر. عملياً، نشرت كتلاً خرسانية صفراء تحدد هذه المنطقة، لتُستخدم كفاصل بين المناطق التي سيتمركز فيها الجيش الإسرائيلي وبقية أراضي القطاع.
النتيجة المباشرة: مئات الدونمات الزراعية التي كانت تُعتبر سلة غزة أصبحت الآن خلف هذا الخط وتحت سيطرة الجيش. التمدد هذا يمتد من رفح جنوباً حتى بيت حانون شمالاً لمسافة تقارب 65 كيلومتراً، وبعرض يتراوح بين 300 و1000 متر وقد يصل أحياناً إلى 1500 متر.
قصص لأشخاص حقيقيين
عناد كان يعمل أرضه، ثمانية دونمات يزرع فيها ملوخية وفلفل وبصل وباذنجان. عندما تقدمت قوات الاحتلال اضطر للهرب والآن يقف عند أقرب نقطة يستطيع الوصول إليها ليراقب ما تبقى من أرضه دون أن يجرؤ على دخولها.
ياسين
ياسين يملك 17 دونماً كانت توفر خضراوات وفواكه وكسباً لعدد من العائلات. اليوم تلك الأرض داخل ما أُعلن أنه تحت سيطرة الجيش. قال إن منزله دُمر وأن الجرارات والآليات قضت على الأشجار التي تحتاج سنوات لتعود منتجة.
نوفل وخالد
نوفل ينتظر نفاذ المرحلة الثانية من الاتفاق آملاً في العودة، لكنه يتعرض لإطلاق النار كلما اقترب. خالد اختار المخاطرة ثم العمل قرب الخط على بعد 50 متراً فقط، يسقي بالرشاش اليدوي ويحفر باليد لأن لا معدات تصلهم. يقول إنه لا يريد الاستسلام للأرض المغلقة.
ما الذي حل بالأرض والزراعة؟
- قبل الحرب كانت مساحة الأراضي الزراعية حوالي 195,000 دونم، ونوعت فيها المحاصيل بنحو 55 صنفاً من الخضراوات إلى الحبوب والأشجار المثمرة.
- القطاع الزراعي كان يمثل نحو 11 في المئة من الناتج المحلي في غزة، بقيمة إنتاج تُقدر بحوالي 343 مليون دولار.
- وفق بيانات من منظمات دولية، كان نحو 560,000 شخص يعملون في الزراعة بشكل كامل أو جزئي قبل الحرب.
- تقارير تشير إلى أن نحو 94 في المئة من الأراضي صارت غير صالحة للاستغلال بسبب القصف والجرارات أو لوقوعها خلف الخط الأصفر، وبقيت نحو 6 في المئة فقط متاحة للاستصلاح.
تحول غزة من مكتفية إلى معتمدة على الاستيراد
قبل الصراع كانت غزة مكتفية بالخضروات بنسبة تفوق الحاجة، أما الآن فالفجوة الغذائية تفوق 85 في المئة. الأسعار ارتفعت بشكل حاد والخضار صار نادراً. وزارة الزراعة تشير إلى أن مساحات واسعة من المشاتل والبساتين قُلبت، والتربة فقدت خصوبتها بعدما جرفت ودمّرت الميكروبات الضرورية لها.
هل كان الاستهداف متعمداً؟
منذ بداية العمليات تعرضت مساحات زراعية للقصف، ثم جُرفت بالجرارات، وفي مناطق أخرى رُشّت محاصيل بمبيدات. خبراء تنمية زراعية يرون في ذلك سياسة ممنهجة لإضعاف قطاع كان من ركائز الاعتماد الغذائي المحلي، بمن في ذلك تدمير شبكات الري والمشاتل وحفر الآبار ومنع دخول البذور والأسمدة.
الجيش الإسرائيلي ردّ بأن قواعد التعامل مع أي اقتراب من الخط الأصفر هي ما يفرض رد الفعل، وأن أي عبور سيُواجَه بالقوة مباشرة.
كم مساحة ما وراء الخط الأصفر؟
المناطق الواقعة خلف الخط الأصفر تشمل نصف القطاع تقريباً، وخصوصاً بلدات بيت حانون وجباليا وبيت لاهيا والأجزاء الشرقية من مدينة غزة وخانيونس وحتى رفح. تُقدَّر مساحة الأراضي الزراعية في تلك المنطقة بحوالي 130,000 دونم موزعة تقديرياً كما يلي:
- حوالي 30,000 دونم على طول الحدود الشرقية.
- حوالي 35,000 دونم في بيت لاهيا وبيت حانون وجباليا الشرقية.
- ما لا يقل عن 25,000 دونم في محافظة رفح جنوباً.
- حوالي 40,000 دونم في خانيونس.
هذه الأراضي حالياً مغلقة أو محطمة أو تحولت إلى مواقع عسكرية، ما جعل منها صحراء حجريّة في كثير من المشاهد الجوية.
النتيجة الواقعية
تحويل الخط الأصفر إلى حد فاصل فعلي يعني أن آمال إعادة الزراعة والاستقلال الغذائي تقلصت كثيراً. حتى لو تراجعت القوات غداً، فاستعادة التربة والمياه والبُنى التحتية والزراعة نفسها ستأخذ سنوات وربما عقوداً.
الخلاصة: المزارعون في غزة ليسوا فقط محبطين بل محاصرون فعلياً. أرضهم لا تزال تحت أعين وآلات عسكرية، محولة إلى حدود جديدة تقطع الطريق أمام عودة الإنتاج المحلي. مستقبل كثير من الأسر التي كانت تعتمد على الزراعة بات معلقاً بقرار انسحاب أو تغيير في السياسة، وإلى أن يحدث ذلك ستبقى غزة تعتمد على واردات غذائية قد تأتي وقد لا تأتي في الوقت المناسب.