ما الذي أقرّه الكنيست؟
أقرّ البرلمان الإسرائيلي تشريعًا يفرض عقوبة الإعدام على الفلسطينيين المدانين بتنفيذ هجمات قاتلة، في خطوة أثارت مخاوف فلسطينية واسعة، وجرّت معها إدانة من المجتمع الدولي، الذي لم يخفِ انزعاجه من تعميق ما تصفه منظمات حقوقية منذ سنوات بأنه نظام فصل عنصري.
القانون لا ينطبق على المواطنين اليهود في إسرائيل، وهي تفصيلة صغيرة من النوع الذي يصنع الفارق كله، ولذلك قوبل بالابتهاج من قِبل داعميه في اليمين المتطرف داخل إسرائيل.
فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة عبّرت جميعها عن قلقها مما وصفته بالطبيعة العنصرية الصريحة لمشروع القانون، إذ تبدو صياغته وتطبيقه موجّهين إلى الفلسطينيين وحدهم تقريبًا.
وجاء في بيان مشترك لوزارات خارجيتها يوم الأحد: "نشعر بقلق خاص إزاء الطابع التمييزي الفعلي لمشروع القانون. إن اعتماد هذا المشروع قد يعرّض التزامات إسرائيل بشأن المبادئ الديمقراطية للخطر".
لماذا يُقال إنه يستهدف الفلسطينيين دون غيرهم؟
السبب الأساسي أن القسم الأكبر من القانون يرتبط بالمحاكم العسكرية التي لا تنظر إلا في قضايا الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال.
وبموجب التشريع الجديد، فإن أي شخص يُدان بقتل مواطن إسرائيلي داخل الضفة الغربية المحتلة سيحكم عليه، كقاعدة عامة، بالإعدام أمام المحاكم العسكرية التي تديرها إسرائيل في الإقليم المحتل.
ورغم أن هذه المحاكم لا تنشر دائمًا إحصاءات تفصيلية عن الإدانة، فقد أقرت في عام 2010 بأن 99.74 في المئة من الفلسطينيين الذين حوكموا على جرائم ارتُكبت في الضفة الغربية المحتلة أُدينوا.
في المقابل، يُحاكم المستوطنون الإسرائيليون الذين قتلوا فلسطينيين في المحاكم المدنية داخل إسرائيل. ووفق تحليل نشرته صحيفة The Guardian البريطانية في أواخر مارس، لم تُحاكم إسرائيل أيًّا من مواطنيها بتهمة قتل فلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة منذ بداية هذا العقد.
ويمنح القانون الجديد المحاكم المدنية الإسرائيلية هامشًا إضافيًا من المرونة إذا أُدين إسرائيلي بقتل فلسطيني في الضفة الغربية، إذ يمكن للقاضي الاختيار بين الإعدام والسجن المؤبد.
أما في المحاكم العسكرية التي تنظر في قضايا الفلسطينيين، فالعقوبة تكون الإعدام تلقائيًا، ولا يُلجأ إلى السجن المؤبد إلا في ظروف استثنائية جدًا. وهنا، كما يبدو، الفكرة ليست فقط في العقوبة، بل في سرعة الوصول إليها وتقليل مساحة المراجعة.
ووفق دراسة أجرتها منظمة يش دين الحقوقية الإسرائيلية، بلغت معدلات الإدانة بحق المستوطنين الذين أدانتهم المحاكم المدنية بارتكاب جرائم ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، باستثناء القدس الشرقية، نحو 3 في المئة بين عامي 2005 و2024. كما أشارت المنظمة إلى أن 93.8 في المئة من التحقيقات في عنف المستوطنين أغلقت من دون تقديم لوائح اتهام.
ويرتكز كثير من هذا الجدل على قانون القومية الإسرائيلي الصادر عام 2018، والذي يرى فيه منتقدون أنه يكرّس عمليًا نظامًا يقوم على التمييز، إذ يعرّف إسرائيل باعتبارها الوطن القومي الحصري للشعب اليهودي، ويمنح الاستيطان اليهودي أولوية بوصفه قيمة وطنية.
ويقول المعارضون إن ذلك يخفض مكانة المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل، وهم نحو 20 في المئة من السكان، لأنه لا يتضمن أي ضمان للمساواة.
هل هذا قانوني أصلًا؟
بحسب كثيرين، الجواب لا.
فعلى الرغم من محاولات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي يملك صلاحيات إدارية على الضفة الغربية المحتلة، فإن الإقليم ما زال قانونيًا أرضًا أجنبية تحت الاحتلال العسكري، وليس جزءًا من السيادة الإسرائيلية.
وبحسب عميحاي كوهين، الباحث البارز في مركز الأمن والديمقراطية التابع لمعهد الديمقراطية الإسرائيلي، فإن القانون الدولي لا يتيح للكنيست سنّ تشريعات تطبق على الضفة الغربية، لأن المنطقة ليست جزءًا قانونيًا من الإقليم السيادي لإسرائيل.
وفي سبتمبر 2024، دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية ساحقة إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلتين خلال عام واحد. وقد أيّدت تلك الخطوة رأيًا استشاريًا لمحكمة العدل الدولية وصف الاحتلال الإسرائيلي بأنه "غير قانوني".
وفي السياق نفسه، أعلنت جمعية الحقوق المدنية في إسرائيل أنها أحالت القضية بالفعل إلى المحكمة العليا الإسرائيلية بعد دقائق فقط من إقرار القانون. واعتبرت أن الإجراء "تميزي بطبيعته"، وأن المشرعين لا يملكون صلاحية قانونية لفرضه على الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، لأنهم ليسوا مواطنين إسرائيليين.
هل هذه هي المرة الأولى التي يُتهم فيها النظام القانوني الإسرائيلي باستهداف الفلسطينيين؟
لا، بالتأكيد لا.
منظمات حقوقية، بينها هيومن رايتس ووتش وأمنستي إنترناشونال، تقول منذ سنوات إن النظامين القانونيين المطبقين على الفلسطينيين والمستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية غير متساويين من الأساس.
الفلسطينيون يخضعون للقانون العسكري، بينما يخضع المستوطنون للقانون المدني الإسرائيلي. وهذا يعني وجود نظامين قانونيين داخل الأرض نفسها، وهو أمر لا يحتاج إلى كثير من الشرح حتى يبدو غير متوازن، ثم غير عادل، ثم موضع اتهام واسع بالفصل العنصري.
وبحسب هذه المنظمات، يفتح هذا الوضع الباب أمام:
- الاحتجاز الإداري، أي احتجاز الأشخاص إلى أجل غير مسمى من دون تهمة
- تفاوت حاد في الحماية القانونية
- تطبيق انتقائي للقوانين
ويُقال إن هذه العناصر مجتمعة شكّلت جزءًا من الأساس الذي تستند إليه اتهامات الفصل العنصري الموجهة إلى إسرائيل.
وحتى مارس 2026، كان نحو 9,500 فلسطيني محتجزين في السجون الإسرائيلية في ظروف قاسية، ونحو نصفهم إما رهن الاحتجاز الإداري أو مصنفون على أنهم "مقاتلون غير شرعيين"، من دون محاكمة ومن دون قدرة حقيقية على الدفاع عن أنفسهم.
كما أثارت التشريعات المتعلقة بمعاملة الأطفال في الاحتجاز قلقًا واسعًا. وتقول هيومن رايتس ووتش إن القاصرين الفلسطينيين يمكن استجوابهم من دون حضور أحد الوالدين، وغالبًا ما يُحرمون من الوصول السريع إلى محامٍ، في مخالفة للقانون الإسرائيلي نفسه وللقانون الدولي أيضًا.
وهناك أيضًا ملف هدم المنازل الفلسطينية المبنية من دون تراخيص، وهي تراخيص يكاد يكون الحصول عليها مستحيلًا بالنسبة للفلسطينيين. في المقابل، نادرًا ما تُزعج البؤر الاستيطانية غير المرخصة، بل يجري تقنين كثير منها لاحقًا. وهكذا تستمر التفاصيل الصغيرة في رسم الصورة الكبيرة على ما يبدو.