ترامب يفتح الباب من جديد أمام صدمة أطلسية

عاد دونالد ترامب إلى رفع منسوب التوتر في العلاقات عبر الأطلسي عندما قال إنه يدرس «بشكل جدي» انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي. وفي مقابلة مع صحيفة The Telegraph البريطانية، وصف ترامب الحلف بأنه «نمر من ورق»، وأضاف، على نحو يرضي هواية الاستفزاز أكثر مما يرضي السياسة الخارجية، أن فلاديمير بوتين يعرف ذلك أيضًا.

التصريحات فجّرت ردًا من رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي دافع عن الناتو بوصفه «أكثر تحالف عسكري فعالية عرفه العالم». ترامب لم يتأخر في الردّ بسخريته المعتادة، فاعتبر أن المملكة المتحدة «لا تملك حتى بحرية فعلية»، وأن ستارمر منشغل فقط ببناء «طواحين هواء». ولم يكن هذا التهديد الأول من نوعه، لكن الفكرة هذه المرة تبدو أقل استعراضًا وأكثر إزعاجًا، خصوصًا مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض وتصاعد الشكوك حول التزام واشنطن تجاه أوروبا.

أوروبا التي اعتادت الاتكال

إذا خرجت الولايات المتحدة من الناتو، فإن الضربة الكبرى لن تكون للحلف وحده، بل لـالاتحاد الأوروبي الذي اعتمد لسبعة عقود على المظلة الأمنية الأميركية. فالناتو، في جوهره، مشروع أميركي صُمم لضمان استقرار قارة جرّت الولايات المتحدة إلى حربين عالميتين، ثم اعتادت لاحقًا أن تترك مسألة الدفاع لمن يتكفل بها من جهة أخرى.

يقول فيديريكو فابريني، أستاذ قانون الاتحاد الأوروبي في دبلن وزميل فولبرايت شومان في الأمن الدولي في هارفارد، إن أوروبا «اعتادت السلم إلى حدّ ما». وهذه العبارة تبدو مهذبة أكثر من اللازم لوصف واقعٍ كانت فيه القارة تبني سوقًا موحدة، فيما تترك الأمن القومي لكل دولة على حدة. والنتيجة نظام دفاعي مجزأ، يتدخل فيه الاتحاد الأوروبي كمساند لا كمقرر.

هذا الاختلال لم يعد قابلًا للتجاهل بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا ثم عودة ترامب. عندها بدأت بروكسل تبحث عن أدوات جديدة، لكنها اصطدمت سريعًا بحقيقة مزعجة: المؤسسات الأوروبية صُممت لزمن السلام، لا لحظة الخطر.

أدوات دفاعية جديدة، ونتائج محدودة

في كتابه «الجيش الأوروبي - الدفاع والسلام في عصر ترامب»، درس فابريني ما أطلقه الاتحاد من آليات جديدة لرفع القدرة الصناعية والعسكرية، وخلص إلى أن الطموح شيء، والتنفيذ شيء آخر تمامًا.

ASAP: اسم متفائل أكثر من النتيجة

أحد هذه الأدوات هو ASAP، أي Act in Support of Ammunition Production، وقد أُقر عام 2023 بميزانية قدرها 500 مليون يورو بهدف توفير مليون قذيفة لأوكرانيا خلال عام واحد. الهدف لم يتحقق إلا بنحو الثلث، وهو فشل لا يحتاج إلى كثير من التزيين اللغوي.

ويرى فابريني أن المشكلة لم تكن في المال وحده، بل في الطريقة التي أدار بها مجلس الاتحاد الأوروبي الملف، إذ جُرّدت المفوضية الأوروبية من أي سلطة فعلية لتوجيه صناعة الدفاع، وترك الأمر إلى حسن نية السوق وتعاون الشركات. والنتيجة كانت متوقعة إلى حدٍّ محرج: الأهداف الكبيرة بقيت كبيرة، أما الإنتاج فكان أقل حماسًا بكثير.

SAFE: قروض لا مجانية

الأداة الثانية هي SAFE، أي Security Action for Europe، وقد وافق عليها المجلس في 27 مايو 2025 بسقف يصل إلى 150 مليار يورو. لكن هذه الأموال ليست منحًا، بل قروض يتعين على الدول الأعضاء سدادها مع الفوائد. أي أن المساعدة موجودة، لكن بشروط تذكّر الجميع بأن بروكسل نادرًا ما توزع المال من دون إيصال.

ويشير فابريني إلى الحالة البولندية بوصفها مثالًا واضحًا. فقد صُممت SAFE إلى حد كبير مع وضع بولندا في الاعتبار، لكن رئيس الجمهورية هناك استخدم حق النقض ضد طلب رئيس الوزراء الوصول إلى التمويل، بسبب التوترات السياسية الداخلية. وهكذا يصبح الدفاع الأوروبي، مرة أخرى، رهينة للخلافات الوطنية قبل أن يواجه أي خصم خارجي.

قوة رد سريع على الورق أكثر منها على الأرض

أما قوة التدخل السريع التي لا تتجاوز 5000 جندي، فقد استغرقت ثلاث سنوات حتى أُقرت، من دون أن تُستخدم فعليًا. ويقول فابريني إن السبب يعود إلى «الغيرة الوطنية» التي تجعل سوق الدفاع الأوروبي منفصلًا تقريبًا عن السوق الداخلية، وتترك الشركات الوطنية في وضع شبه احتكاري يسمح لها بتسعير منتجاتها كما تشاء.

«تحالف الراغبين»... بلا التزام حقيقي

في مواجهة هذا الجمود، ومع تهديدات ترامب المتزايدة، تشكلت في 2 مارس 2025 ما يُعرف بـتحالف الراغبين، بمبادرة من فرنسا والمملكة المتحدة، بهدف توفير «قوة طمأنة» لأوكرانيا.

لكن فابريني يصف هذا الترتيب بأنه أقرب إلى «حفلة أصدقاء» منه إلى بنية سياسية أو عسكرية صلبة. المشاركون يتغيرون باستمرار، ولا أحد يلتزم التزامًا واضحًا ونهائيًا. والسبب بسيط: القرارات الصادرة عن تجمعات حكومية دولية تبقى هشّة بطبيعتها، ولهذا يصعب أن تبدو موثوقة أمام دول ثالثة.

وباختصار أقل أناقة وأكثر واقعية: لا توجد حتى الآن شرعية سياسية كافية لاتخاذ قرار بإرسال قوات إلى مكان قد يُقتل فيه رجال ونساء بالفعل. وهذه ليست مسألة تقنية، بل سؤال سيادي وأخلاقي في الوقت نفسه.

ألمانيا تدخل على الخط بقوة غير معتادة

في الفراغ الاستراتيجي الأوروبي، برزت ألمانيا كلاعب مختلف. ففي غضون شهر واحد فقط، عدّلت برلين القانون الأساسي للسماح بالاقتراض غير المحدود تقريبًا لأغراض الدفاع.

وقبل عام، أعلن المستشار فريدريش ميرتس عزمه استثمار تريليون يورو خلال السنوات العشر المقبلة، وقال صراحة إن البوندسفير سيصبح «أقوى جيش تقليدي في أوروبا». ويصف فابريني هذا التحول بأنه أحد أكثر التحولات الجذرية في التاريخ الألماني بعد الحرب العالمية الثانية، من حيث السرعة والحجم معًا. والمقارنة التي يوردها مع إعادة توحيد ألمانيا ليست مبالغة خطابية، بل إشارة إلى حجم التغير في المزاج والمؤسسات والقدرة المالية.

وهنا تكمن النقطة الحاسمة: ألمانيا تمتلك قدرة مالية قد لا يضاهيها أحد داخل الاتحاد. وربما تكون الدولة الوحيدة القادرة فعلًا على تمويل إعادة تسلح واسعة النطاق من دون أن تنهار حساباتها العامة فورًا.

خطر الفجوات داخل الاتحاد

لكن هذا المسار المنفرد، وسط اتحاد يعاني أصلًا من قيود مالية وحكومية، قد يخلق اختلالات عميقة بين الدول الأعضاء. فحين تتحرك برلين وحدها بهذه السرعة، قد تجد دول مثل إيطاليا نفسها في موقع ثانوي أكثر مما ترغب، فيما يتراجع مجددًا حلم الدفاع الأوروبي المشترك.

واللافت أن هذا المشروع ليس جديدًا أصلًا. فهو موجود على الورق منذ 1951، لكنه بقي، على ما يبدو، في الدرج المناسب تمامًا: القريب بما يكفي ليتذكره الجميع، والبعيد بما يكفي كي لا يزعج أحدًا كثيرًا.

في النهاية، تهديد ترامب للناتو ليس مجرد فصل جديد من الاستفزازات السياسية. إنه اختبار مباشر لمدى استعداد أوروبا لأن تتوقف عن افتراض أن أحدًا آخر سيتولى حمايتها إلى الأبد. وحتى الآن، الإجابة الأوروبية تبدو مألوفة: كثير من الخطط، قليل من الحسم، وكمية محترمة من الإجراءات التي تتعثر قبل أن تبدأ.