قرار الرئيس الأمريكي بتأجيل تهديده «بمحو» النظام الطاقي الإيراني لخمسة أيام فضح أمراً واضحاً لمن حوله: قدرة الولايات المتحدة ليست مطلقة، والخصوم فهموا ذلك. الرئيس وصف التأجيل بأنه نتيجة «محادثات منتجة»، بينما طهران تقول إن تلك المحادثات لم تحدث.
ما الذي حدث بالضبط؟
البيت الأبيض أعلن عن «وقف مؤقت» مدته خمسة أيام على خطة ضرب محطات الكهرباء الإيرانية. طهران ردت بسرعة وبنبرة محسوبة: هددت بتفجير محطات التحلية التي تعتمد عليها دول الخليج للمياه، بإغلاق مضيق هرمز إلى أن تُصلح الأضرار، وبزيادة الهجمات على إسرائيل.
تراجع جزئي بسبب ملاحظة الأمم المتحدة
لاحقاً بدت طهران في موقف أقل تهوراً بعد تحذير الأمم المتحدة من أن استهداف أنظمة المياه قد يشكل جريمة حرب. أعلن الإعلام الرسمي أن التركيز سيكون على محطات توليد الكهرباء، مع تصعيد واضح في الرسالة: «إذا ضربتم الكهرباء نضرب الكهرباء».
الأبعاد العسكرية والاقتصادية
هذا «التأجيل» يمنح دول الخليج فرصة لملء فراغ الدفاعات الجوية. كما يمنح القوة العسكرية الإيرانية، التي أصبحت أكثر لامركزية، مهلة للتماسك قبل أي هجوم محتمل. وللرئيس الأمريكي فرصة التأمل، إن كان قادراً على ذلك، في كيفية الخروج من مأزق أعدته طهران له.
الهجمات التي تشنها الولايات المتحدة وحلفاؤها، بما فيهم إسرائيل، أدت إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط والغاز الطبيعي. هذا الارتفاع يهدد بإحداث تباطؤ اقتصادي عالمي، وهو أمر لا يريد الرئيس ترامب مواجهته قبيل انتخابات منتصف الولاية.
بداية سلسلة الاستهدافات
بدأت الحملة بتعرض حقل جنوب بارس للغاز للقصف، وهو حقل مرتبط بمصادر احتياطي مشتركة مع دول أخرى في المنطقة. هذه الضربات رفعت أسعار الغاز المسال عالمياً، ودفعَت ترامب لمطالبة إسرائيل بوقف مثل هذه الضربات.
حدود القوة الأمريكية ودرس التاريخ
الولايات المتحدة وإسرائيل ظنّتا أن الضربات قد تقود إلى تغيير نظامي سريع في طهران. لكن التاريخ الحديث علّم العكس. تدخل العراق عام 2003 انتهى بانتشار عصيان مسلح وبروز تنظيمات جديدة.
الحرس الثوري الإيراني استغل الفوضى الإقليمية خلال العقدين الماضيين لبناء شبكة حلفاء وميليشيات في العراق ولبنان وسوريا واليمن. هذه الخبرات جعلت طهران ترى أن التهديد بالعمليات واسعة النطاق قد يكفي لتحقيق أهداف استراتيجية أكثر من تنفيذها.
كما رأت طهران أمثلة أخرى على تردد الولايات المتحدة، مثل التهديد باستخدام القوة ضد نظام الأسد عند استخدامه أسلحة كيميائية، ثم التراجع عن التنفيذ الكامل.
التهديدات التكتيكية لإيران
رد طهران جاء بتهديد عملي: زرع ألغام بحرية وإغلاق طرق الملاحة في الخليج. قالت طهران إن أي هجوم على السواحل أو الجزر الإيرانية قد يجعل الخليج عرضة لعمليات إغلاق وتمويل بحري متقطع لفترة طويلة.
هذا التهديد قد يكون تكتيكاً عصيابياً مألوفاً من جهة قاتلت حركات مسلحة من قبل. لكنه قد يكون أيضاً مبالغة أو محاولة للمراوغة. السؤال الاستراتيجي كان وما زال: هل ستغامر الولايات المتحدة بإثبات قدرة إيران على تعطيل ما يصل إلى خمسين بالمئة من حركة النفط البحري العالمي؟
مواقف وتحركات إقليمية
- ظهرت تقارير تفيد بأن بعض ناقلات النفط الهندية والباكستانية سمح لها بالمرور عبر مضيق هرمز، ما يعكس محاولة طهران ضبط الرسائل وتفادي استفزاز أكبر.
- تقارير غير مؤكدة ذكرت أن ضربات جوية أسفرت عن إصابات وربما وفاة شخصيات قيادية في إيران. هذه التقارير لم تؤدِ إلى انهيار النظام الذي لا توجد دلائل على سقوطه حتى الآن.
ماذا يعني هذا لترامب وحلفائه؟
التصعيد الحالي يكلف الجميع ثمناً اقتصادياً وسياسياً. دول الخليج، التي تعتمد مدنها على الطاقة والمياه المحلاة، أصبحت معنية مباشرة بما يحدث. ترامب يحاول التبديل بين خطاب خفض الحدة وخطاب التصعيد، وهو أسلوب يربك الشركاء والحلفاء ويمنح الخصوم فرصة استغلال التردد.
الخلاصة
إيران استغلت التهديدات لتظهر أن حدود النفوذ الأمريكي موجودة. حتى الآن، لا دلائل على أن النظام الإيراني ينهار أو أن السكان سيقومون بثورة ناجحة ضده. طهران تسعى للحصول على ثمن لمن جلب الحرب إلى المنطقة. العملية لم تنته بعد، وكل طرف يقيس تكلفة التحرك القادم.