دخلت إلى قبو منزل مزدوج قديم في شرق ديترويت وشممت أولاً الرطوبة والعفن وماء راكد. السلالم الخشبية كانت مهترئة، والأرضية مطبّقة بماء أسود. ساكن المبنى، كورنيل دوريس، قال لي بصراحة: «كلما تمطر، يدخل الماء». لم يكن دوريس يتعامل مع مالك عقار عادي. منذ نحو أربع سنوات، المبنى أصبح مملوكًا لشركة ناشئة اسمها RealT، التي تعرض تقسيم ملكية العقار إلى آلاف توكنات رقمية صغيرة.

فكرة سهلة على الورق

فكرة RealT بسيطة ورشيقة: تقسم ممتلكات عقارية إلى توكنات تُباع بأثمان صغيرة، وبذلك يستطيع آلاف الناس حول العالم أن يمتلكوا «حصة» من بيت واحد ويتقاسموا دخل الإيجار. الشركة بيعت بسرعة للمستثمرين الأجانب—بحسب تقديراتها، حوالي 16 ألف مشتري من 150 دولة—وركّزت عملياتها على ديترويت، حيث اشترت ما يقارب 500 مبنى ومئات عقارات أخرى في الأمريكيتين، ليصل حجم المحفظة إلى نحو 150 مليون دولار.

الواقع المادي يصرخ

لكن العقار ليس مجرد رقم على شبكة بلوكشين. في الواقع، بدأ يظهر تباين صارخ بين وعود المنصة وحالة المباني على الأرض. تقارير محلية وزيارات ميدانية أظهرت مشاكل واسعة: كاشفات دخان مفقودة، سخانات معطلة، حشرات وقوارض، سقوف مسربة ومباني مهجورة. المدينة شهدت حوادث فعلية، منها حريق كبير في مبنى مؤمّن باللوحات على شارع كاديوكس.

قصة السكان

  • كورنيل دوريس: قبو مغمور بالماء، لا ماء ساخن للحمام، ورائحة عفن دائمة.
  • مايا: تعيش في منزل به ثقب في السقف وعزل ممزق، فتجلس ساعات في سيارتها قبل دخول البيت خوفًا من الداخل.
  • مونيكا: تسكن مع حفيدين في منزل تملكه مئات التوكنات، تدفع إيجارها لكن التدفئة معطلة ونوافذ مكسورة.

من يقف خلف RealT؟

أسساها أخوان كنديان، ريمي وجان-مارك جاكوبسون، اللذان يعرفان عن نفسيهما كمنصارين للحرية الاقتصادية. دخل الأخوان عالم البيتكوين مبكرًا، شغلا مشاريع تعدين وأعمال مرتبطة بالكريبتو قبل أن يفكّرا في تطبيق الفكرة على العقارات: تحويل كل منزل إلى شركة ذات مسؤولية محدودة ثم إصدار توكنات تمثل حصصًا.

مشاكل الإدارة والعقبات القانونية

مع توسع المحفظة، ظهرت مشكلات إدارة. RealT تعاقدت مع محترفين لإدارة وتجديد العقارات، ومن بين هؤلاء شون ريد، الذي له ماضٍ قانوني مرتبط بتهم احتيال عقاري. لاحقًا اختلفت الأطراف وبدأت الدعاوى القضائية المتبادلة: الشركة تتهم مديري عقارات بالاحتيال، وبعض المديري­n يردون بأنهم أصبحوا كبش فداء.

توسع الخلل دفع مدينة ديترويت لفتح تحقيقات ميدانية. النتائج كانت قاسية: آلاف مخالفات بناء، ومئات العقارات اعتبرتها المدينة غير صالحة للسكن. المدينة رفعت دعوى مدنية ضد RealT ومؤسسيها وعشرات الشركات الفرعية، مطالبة بتصحيح الأوضاع وتعويض المجتمع المحلي. وقاضٍ أصدر أمرًا مؤقتًا بمنع الشركة من تحصيل الإيجارات أو إخلاء السكان في عدد من المباني حتى تصليح الأوضاع، مع بعض التعديلات لاحقًا للسماح بطرد غير الدافعين.

ردّ الأخوين والمستثمرون

الجاكوبسون ردّوا بأن لديهم صناديق صيانة مخصصة لكل عقار وأن هدفهم تجميل الأحياء وتمكين مستثمرين صغار من امتلاك حصص عقارية. لكن التواصل مع المستثمرين غالبًا تم عبر مجموعات مغلقة على تطبيقات المراسلة، حيث بدا البعض من المستثمرين متشتتين وغير مطلعين على حالة المباني على الأرض.

بعض المستثمرين سألوا عن معاملات مشبوهة: وثائق تشير إلى أن عقود رهن عقاري على ممتلكات تم تسجيلها بعد عملية تقسيم التوكنات، مما يعرّض المستثمرين لمخاطر الحجز في حال تخلف السداد. الشركة بررت بعض هذه الحركات بأنها «مرونة إدارية» أو ترتيبات مع البائعين، لكن خبراء عقاريين وصفواها بأنها غير معتادة ومثيرة للقلق.

محاولة الإصلاح وإدارة جديدة

في مواجهة الضغوط، أنشأ الأخوان شركة إدارة جديدة للتعامل مع محفظة ديترويت وعيّنوا سالفاتور بالاتسولو مديرًا تنفيذيًا لإدارة الممتلكات. فريقه نفذ تجديدات فعلية لعدد من المنازل—حوالي أربعين بحسب تقديره—وحصلوا على شهادات مطابقة لعدد من العقارات المذكورة في دعوى المدينة. بعض المنازل ظهرت نضيفة وقابلة للسكن بعد تدخلهم، لكن عدد الحالات المتراكم ظل أكبر مما أمكن إصلاحه بسرعة.

خطة بيع ومزيد من التوتر بين المستثمرين

في محاولة لرفع قيمة المحفظة، أعلن المؤسسون عن نية بيع عدد كبير من العقارات لتحسين عوائد المستثمرين. لإعداد المنازل للبيع، قرروا تجميد توزيعات الإيجارات لفترة، أي أن المستثمرين لم يتلقوا دخل الإيجار في هذه الفترة. القرار أشعل غضبًا بين البعض الذين رأوا أن حقهم في العوائد سُلب منهم بدون موافقة واضحة.

اتجاهات جديدة وخطر توسيع المشاكل

رغم القضايا في ديترويت، واصلت RealT تسويق فكرة التوكنات في بلدان أخرى، بينها عروض «ما قبل البناء» في كولومبيا وبنما، حيث يُسوَّق للمستثمرين تمويل مشاريع إنشاء. حتى الآن الآلاف من هذه التوكنات لا تزال غير مباعة، مما يدل على أن الحماس العالمي قد خفّ قليلاً أمام الأخبار السلبية.

أين ينتهي المطاف؟

القصة الآن في ساحات القضاء، مع محاكمة مقررة في شهر مايو. السجال يكشف ثغرة مهمة: تحويل ملكية حقيقية ومعالجة احتياجات سكان فعليين لا يمكن أن يقبع بالكامل خلف واجهة رقمية براقة. المستفيدون الحقيقيون يجب أن يكونوا السكان أولًا، ثم المستثمرون، وإلا فالنموذج يتحول إلى مولد مشاكل لا خامات رقمية.

الخلاصة: فكرة تقسيم العقار عبر توكنات جذابة لأنها تسمح لآلاف من الناس بالاستثمار بمبالغ صغيرة. على الورق تبدو جميلة. على أرض ديترويت، أظهر الواقع أن إدارة الممتلكات والصيانة والقوانين المحلية تبقى أهم من أي خوارزمية.